الشيخ محمد الصادقي
82
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
وقد عاشرته طول سنين حتى إذا بلغ أشده : قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ ( 32 ) . في ذلك الموقف القاهر والمشهد الظاهر الشاهر تجد مجالا للاعتراف بالمراودة مفتخرة بها ، متجهة فيها بعد تجسد الجواب عن مكرهن : « وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ » حيث بهرني كما بهركن « فاستعصم » معانيا فيه تحرزا عما يعاينه ، وهو في الحق استعصام بالعصمة الإلهية وهي برهان ربه ، بعد الاستعصام بكل الطاقات البشرية . وليست هي الآن لتكتفي بهذه وتلك ، إلّا ان تنهيها بثالث الثالوث بتهديد له بالغ ، حيث تظهر سيطرتها عليه أمامهن بتبجّح المرأة في ذلك الوسط دون اختجال ، فلا ترى بأسا من التجاهر بنزواتها الأنثوية مكشوفة ، وبكل افتخار في معرض النساء : « وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ » فهي في بداية الفضيحة أمام العزيز تردّد الأمر في غير تأكيد بين « أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ » طالبة منه أحد الأمرين ، وهنا تؤكد بنفسها عليه الأمرين في تأكيدين « لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ » كأنها هي الآمرة والعزيز يطبّق أمرها كما تريد . أفتاي هذا الذي ربّيته وأكرمته يستعصي أمري وهو من المكابرين ، فليسجن إذا وليكونن من الصاغرين ، لكيلا يكابرني بعد فيما آمره . وإلى ذلك الحد الحديد الشديد تصل القحة في البلاط وقصور المترفين ، ولا سيما في الوقت الذي تجد صاحبة البلاط صاحباتها في سعار أكثر منها فما يصنع - إذا - يوسف الصديق : قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ ( 33 ) فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ